محمد غازي عرابي
704
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
صورة الحق الظاهرة لا غير ، ولهذا يقال في الفلسفة : ممكن في ذاته واجب بغيره ، والغير اللّه ، فسيئتك تمسكك بأناك ، وحسنتك رد أناك إلى بارئها لتستمع بعد ذلك بالأنية الإلهية الحقيقية . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 72 ] وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ( 72 ) [ الفرقان : 72 ] الزور قول الكذب ، ولقوله سبحانه : لا يَشْهَدُونَ لطيفة ، إذ ادعاء الإنسان ملكية نفسه هو كذب ، وما فعله الإنسان أنه انتحل شيئا وجده بالمصادفة بعد ما خلق ، أوليس هذا حال الإنسان بعد أن يتفتح وعيه فيجد لديه جسمه وفكره ونفسه وميوله ورغباته ؟ واللغو كل ما يكون فيه العامة الذين لا يشهدون الحق وأين هو وفعله ، فكل كلمة يقولها اللسان ليس فيها ريح التوحيد هي لغو ، فكم يبلغ لغو الذين لا يعلمون ، يعلمون ظاهرا من الأمر وهم عن الحقيقة غافلون . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 73 ] وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً ( 73 ) [ الفرقان : 73 ] الإشارة إلى المريدين من محبي الصوفية وتابعيهم والذاكرين وطلاب حلقات الدرس والتوحيد الذين يذكرون بآيات اللّه من قبل أشياخهم فيسمعون منصتين خاشعين تفيض أعينهم من الدمع ، يلبون داعي الحق الذي دعاهم على ألسنة المعلمين ويستجيبون . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 74 ] وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ( 74 ) [ الفرقان : 74 ] الأزواج الشطر الثاني من النفس الكلية وهي النفس الحيوانية كما قال سبحانه : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها [ الأعراف : 189 ] ، والذريات بمثابة الحواس والميل والقصد . . وكونها جميعا قرة أعين يعني حلول السلام محل الصراع فتطفأ نار الحرب الدائرة في النفس وبين شقيها ويسود السّلام كما بينا من قبل ، وتصبح الحواس مع الدواعي أداة طيعة لاستقبال نفحات اللّه من رياح الهداية والتوفيق والتيسير . وإذا بلغ الإنسان هذا المقام صار للمتقين إماما ، ولقد تحدثنا عن المريدين التابعين أشياخهم ، فإذا بلغ أحدهم اليقين انتقل من مرتبة المريد فصار المراد وصار شيخا وبالتالي إماما ينطق عن الحق ، وينطق الحق على لسانه ، فالإمامة بمثابة الخلافة . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 75 إلى 77 ] أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً ( 75 ) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ( 76 ) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً ( 77 ) [ الفرقان : 75 ، 77 ]